ابن تيميه

72

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وأما من عرف أن الأنبياء نهوا عن هذا الشرك ، فأطاعهم واتبع سبيلهم وعبد اللّه وحده ؛ فهذا يمتنع أن يقول : هذا تنقّص ومعاداة ، فهذا الفرقان هو الذي يفصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان . [ واجب المؤمن تجاه النبي صلى اللّه عليه وسلّم ] والأنبياء تجب محبّتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم ، لا سيما خاتم الرسل صلوات اللّه عليهم أجمعين . وقد ثبت في الصحيحين عن أنس رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين » « 1 » . وفي البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم » الحديث « 2 » . وفي البخاري عن عبد اللّه بن هشام رضي اللّه عنه قال : كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال له عمر : يا رسول اللّه لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لا ، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك » . فقال له عمر : فإنه الآن واللّه لأنت أحب إليّ من نفسي ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « الآن يا عمر » « 3 » . وفي الصحيحين عن أنس رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان ؛ من كان اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا للّه ، ومن كان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه كما يكره أن يلقى في النار » « 4 » . وفي بعض طرق البخاري : « لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا للّه » وذكر الحديث . وتصديق هذه الأحاديث في كتاب اللّه تعالى ؛ قال تعالى : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ [ التوبة : 24 ] الآية . ومحبة الرسول هي من محبة اللّه ، فهي حبّ للّه وفي اللّه ، ليست محبة محبوب مع اللّه ، كالذين قال اللّه فيهم : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ . والحب في اللّه والبغض في اللّه من أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث « 5 » . وحبّ ندّ مع اللّه ؛ شرك لا يغفره اللّه ، فأين هذا من هذا ؟ والمحبة التي أوجبها اللّه لرسوله وللمؤمنين لا تختص ببقعة ولا تختص بقبورهم ولا غيرها ، وكذلك سائر حقوقهم من الإيمان بهم وما يدخل في ذلك ، فإن ذلك

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 15 ) ومسلم ( 44 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 14 ) . ( 3 ) تقدم تخريجه . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 16 ، 21 ، 6041 ، 6941 ) ومسلم ( 43 ) . ( 5 ) حديث صحيح ؛ انظر « الصحيحة » ( 998 ، 1727 ) .